المطلوب اليوم هو فن السياسة وليس فن الحرب - في قضية العراق، وفي قضية إيران، وفي قضية فلسطين.

 

إن الرفض شبه الطفولي للرئيس الأمريكي لسنوات طويلة التحدث شخصياً إلى من لا يحب من الساسة كعرفات والأسد وصدام وأحمدي نجاد، وقراره عوضاً من ذلك، تطوير استراتيجيات - بعد التشاور مع الرب - عن كيفية طرد هؤلاء من مناصبهم بالقنابل، يعدان من أكثر القرارات الخاطئة بعداً عن المنطق في زماننا هذا. "من أراد كرجل دولة أن يخدم السلام، فيجب عليه الحديث مع رجل الدولة على الجانب الآخر" (هيلموت شميت Helmut Schmidt). بكذلك فقط أمكن حل نزاع الشرق والغرب بعد سني الحرب، عندما لم يتعال رونالد ريغان أبداً على لقاء زعماء "إمبراطورية الشر" وقتذاك شخصياً. 

 

ليس صحيحاً، أنه في الصراع مع إيران لا يوجد خارج استراتيجية تشديد العقوبات، إلا فقط "البديل الكارثي" "القنبلة الإيرانية أو قصف إيران" (نيكولا ساركوزي Nicolas Sarkozy). فالبديل الحاسم عن عزل شعوب حضارية كبيرة كإيران أو رميها بالشبحية الشريرة، هو إعادة ربطها بدائرة الشعوب المتساوية - بكل الحقوق، ولكن أيضاً بكل الواجبات.

 

تشكل إيران مشكلة للغرب بالأخص، لأنه أهملها وعزلها كعقوبة على طردها لنظام الشاه ذي التوجه الغربي، حيث فقد بذلك كل تأثير على سياستها. لكن هذا التطور غير قابل للتغيير. "إذا لم يكن بوسعك الانتصار على عدوك فعانقه"، هكذا يقول المثل الحكيم. إن الأكثرية الإيرانية تؤيد الغرب. إنها تنتظر الغرب وتضع فيه أملها، لكن ليس في قنابله، التي ستقتل مرة أخرى الأبرياء أولاً، وكذلك ليس في تدخل جنوده، بل في "تدخل" رجال أعماله وسياحه. حتى معارضة النظام الإيراني وحاملة جائزة نوبل للسلام شيرين عبادي تطالب بعاطفة جياشة معارضة الأعمال العسكرية الأمريكية، "لأنها قد تعرض للخطر كل شيء قام به الإيرانيون أصحاب الفكر الديموقراطي خلال الأعوام المنصرمة".

 

مشاكل الشرق الأوسط المعقدة لا يمكن حلها إلا سياسياً - والأفضل من خلال مؤتمر طويل الأمد شبيه بمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا OSCE للمنطقة كلها. ويجب أن تشارك فيه إلى جانب مجلس الأمن جميع القوى المؤثرة في المنطقة - بما فيها سوريا وإيران وكذلك جميع المنتخبين ديموقراطياً من الفلسطينيين وقيادة المقاومة العراقية الشرعية. ولن يكون هناك حل للنزاع في العراق إلا عندما تتفاوض الولايات المتحدة الأمريكية مع قيادة المقاومة كما فعلت في فيتنام - طبعاً دون إرهابيي القاعدة. إن قيادة المقاومة الوطنية والبعثية والمعتدلين الإسلاميين، كلهم تقريباً مستعدون لهذه المفاوضات.

 

إن البديل للحروب اللامسؤولة وللسلبية اللامسؤولة هو كما كان الحال في أزمة الشرق والغرب خلال الثمانينيات في المفاوضات الشاملة والحازمة ولكن المنصفة. هذه السياسة كما هي في مشروع OSCE لن تعرف إلا المنتصرين. لقد جلب هذا المشروع لأوروبا الشرقية بعد سنتين من المفاوضات الشاقة، الحرية وحقوق الإنسان والديموقراطية والرخاء المتنامي؛ وأهدى لكل أوروبا سلاماً مستقراً ونزعاً للسلاح. "أعداء حتى الموت تحولوا إلى أصدقاء - دون أن تطلق رصاصة واحدة" (هانس ديتريش غينشر Hans-Dietrich Genscher). وهذا تماماً يجب أن يكون هدف OSCE الشرق أوسط هذا. وربما تنشأ في الشرق الأدنى والمتوسط سوق اقتصادية مشتركة أو حتى أكثر من ذلك. من كان يعتقد قبل ستين عاماً بإمكانية قيام أوروبا موحدة؟ السياسة تفتقر إلى الرؤية التخيلية، أيضاً في الشرق الأدنى والأوسط.

 

أما كيف يمكن للمرء مقارنة هذه السياسة نظراً إلى التفوق العسكري الجبار للولايات المتحدة الأمريكية "بسياسة الإسترضاء" الجبانة قبل الحرب العالمية الثانية، فهذا يبقى من أسرار المحافظين الجدد. إنه ليس استرضاء، ليس Appeasement، عندما تتوقف القيادة الأمريكية الحالية عن اختراع خرافات رعب جديدة حول البلاد الإسلامية؛ عندما تتوقف عن فتح طريقها إلى المواد الخام عن طريق القصف؛ عندما تتوقف عن تحطيم المثل العليا، التي من أجلها أحب من قبل كثير من الناس أمريكا - ومن أجلها سيحبون أمريكا ثانية بكل سرور.

 

أي بلد إسلامي باستطاعته - نظراً للقدرة النووية والتقليدية غير القابلة للتعطيل لأمريكا وإسرائيل على توجيه الضربة الثانية - أن ينجح ولو نجاحاً ضئيلاً في مهاجمة الغرب أو إسرائيل؟ حتى بالنسبة لإيران مسلح نووياً، ما لا يُحبذ في الواقع، فستصدق عليه القاعدة الصغيرة للإستراتيجية النووية واحد-ضرْب-واحد: من يطلق أولاً، يموت ثانياً. من يريد مهاجمة أمريكا وإسرائيل نووياً، فما عليه إلا أن يفجر نفسه فوراً في الهواء. لأمريكا رقمياً القدرة على قتل 20 مليار إنسان بأسلحتها النووية. بإمكانها إحراق مايقرب من 70 مليون إيراني وتحويلهم إلى رماد ثلاثمائة مرة. إيران تعرف هذا - وكذا رئيسها المتعجرف. فميزانيته الدفاعية تكاد أن تساوي واحد بالمائة من تلك الأمريكية. وعلى عكس القوى الغربية الكبرى فإيران لم تهاجم منذ 150 عاماً بلداً آخر، بالرغم من أنها هوجمت مرات عديدة - وبمساعدة غربية. حتى اليوم يعيش فيها 400000 جريح معاق بسبب الحرب مع العراق، منهم 50000 من ضحايا الأسلحة الكيماوية، الذين لا نعتبر غير مسؤولين عن مصابهم.

 

إن مشكلة إيران قابلة للحل. وعلى القيادة الأمريكية التغلب على نزعاتها والجلوس على طاولة واحدة على أعلى مستوى إما بشكل ثنائي أو في إطار OSCE شرق أوسطي مع القيادة الإيرانية. يجب عليها أن تعرض على إيران - كما فعلت تماماً مع كوريا الشمالية وأخيراً مع ليبيا - ضمانات أمنية جوهرية لقاء تنازلات جوهرية في البرنامج النووي، ولقاء تنازل لإيران يمكن التحقق منه عن أي شكل من أشكال التدخل في العراق.

 

في الواقع ليست فقط خطط الأسلحة النووية المحتملة الإيرانية الموجودة في الأدراج، هي التي يجب إلقائها فوق خردة التاريخ، بل أيضاً الأسلحة الواقعية جداً للدول النووية الحالية. جميع الأسلحة النووية، بما فيها الأمريكية، هي - كما قرر رونالد ريغان سابقاً عام 1986 - "غير عقلانية البتة، غير إنسانية البتة ولا يمكن استخدامها في شيء إلا للقتل". جميعها تشكل "خطراً على حضارتنا". حتى هنري كيسنجر انضم عام 2007 إلى "هذه الرؤية التخيلية الجسورة لعالم خال من الأسلحة النووية". كذلك اتفاق منع نشر الأسلحة النووية يطالب بصورة لا يمكن إساءة فهمها بإزالة كل هذه الأسلحة. إن جميع الدول النووية الحالية تعيش حالة خرق دائم لهذا الإتفاق.

 

الخطر الرئيسي المحيق بنا اليوم لا يكمن في سياسة التهدئة. إنه يكمن في أن بعض وطنيي الغرب من استراتيجيي الأرائك، الذين لا يسمحون لأحد أن يسلبهم عنصريتهم غير المعلنة، يريدون أن يسوقوا العالم إلى تلقائية حمقاء من العنف والعنف المضاد بشكل يشبه أولئك، الذين قادوا إلى الحرب العالمية الأولى.

 

فن الدولة لا فن الحرب، تفاوض يقظ وصبور ودائب - هي كما في نزاع الشرق والغرب الإستراتيجية الصحيحة تجاه العالم الإسلامي. ففي نظام عالمي عادل فقط سيفقد الإرهابيون الأرض الخصبة. يجب أن يكون شعارنا: حزم وعدل. حزم ضد الإرهابيين، وعدل مع العالم الإسلامي.

 

الهدف يجب أن يكون الوصول إلى نظام عالمي، يمكن قبوله لعدله من جميع الدول؛ عالم ينتهي فيه اضطهاد المسلمين في الغرب وينتهي فيه اضطهاد اليهود والنصارى في العالم الإسلامي؛ عالم يُقلع فيه عن وصم الأديان والثقافات بعضها لبعض بالشبحية الشريرة؛ عالم تنزع فيه أسلحة الدمار الشامل الغربية وآلات الكذب؛ عالم تعود فيه الولايات المتحدة الأمريكية رمزاً للسلام والحرية وليس للحرب والإضطهاد؛ عالم يرى فيه كل واحد العمود الذي في عينه وليس فقط النسرة التي في عين أخيه.

إضغط هنا كي تعود إلى الأبحاث العشرة