لا شيء يدعم الإرهاب أكثر من "الحرب على الإرهاب" من قبل الغرب. يجب على الدول الإسلامية مواجهة مشاكلها مع التطرف الإسلامي بنفسها.
يتوجب علينا أيضاً نزع القناع عن وجه الحروب العدوانية الغربية. فالحروب العدوانية ليست فقط الأقل أخلاقية، بل هي أيضاً الطريقة الأقل ذكاء في مواجهة الإرهاب. إن الإرهاب المقنع بالإسلام هو إيديولوجية. والإيديولوجيات لا تقتل بالرصاص. على المرء أن يسلبها دعاماتها، أن يفندها.
في بداية 2001 شارف الإسلام المتطرف على النهاية. الحلم، الذي أراد أن يحل مشاكل إيران الداخلية وأفغانستان أو السودان عن طريق أسلمة راديكالية، تحول إلى كابوس مزعج. لقد أدرك المسلمون بمرارة على أرض الواقع، أن الملالي المتشددين قد حولوا بلادهم إلى دول (دينية) بوليسية مقفرة. لهذا ترك الشعب الأفغاني بشكل استعراضي خلال الحرب الخاطفة للولايات المتحدة الأمريكية حركة طالبان لوحدها في الساحة - هذا أمر غير اعتيادي في تاريخ أفغانستان.
وبسبب الإخفاق الواضح للإسلام المتطرف، لم يكن اعتداء القاعدة على نيويورك وواشنطن عملية ثأرية فقط، بل أيضاً محاولة لكسر القيود: لقد أرادوا من خلال شجاعة خبيثة وإخراج إعلامي غاية في الذكاء أن يعيدوا للراديكاليين الإسلاميين تعاطف الجماهير. وأرادوا أن يثيروا الولايات المتحدة الأمريكية إلى ردة فعل مبالغ فيها، يمكنها أن تعطي الإسلام الراديكالي دفعاً أكبر. ونجحت الخطة بشكل باهر. فالعدد الهائل من القنابل التي ألقيت على رؤوس المدنيين الأفغان المتعبين من طالبان مكنت الإسلام الراديكالي القعيد على الأرض من الوقوف ثانية على قدميه. لقد أراد الأفغان في الحقيقة التخلص من حركة طالبان والقاعدة، اللتين صنعتهما المخابرات الأمريكية والسعودية والباكستانية. وأما أن يقتل بالقصف من أجل ذلك آلاف المدنيين الأفغان، فهذا أمر صعب عليهم فهمه.
لم يكن أحد من الإرهابيين، الذين هاجموا مركز التجارة العالمي، من أفغانستان أو من العراق. لقد أتوا من ألمانيا والسعودية ومصر. وأما تعطيل بن لادن، زعيمهم العقائدي السعودي في جبال الهندوكوش، فله أساليب أكثر ذكاء من قصف واحتلال كابول.
وهكذا استطاع الإسلام الراديكالي، تماماً كما حدث عند تدخل السوفيت 1979، من الدعوة مجدداً على مستوى العالم للحرب ضد المحتلين الأجانب وللحرب ضد الحكومات المتسلطة ذات التوجه الغربي. إن فوز أحمدي نجاد وحماس في الانتخابات، وصعود الإسلام الراديكالي في العراق العلمانية سابقاً، وتعزيز قوة طالبان في أفغانستان، لها علاقة كبيرة بوحشية وغباء الحروب ضد الإرهاب. لقد أرجحت القوى الراديكالية في الغرب وفي العالم الإسلامي بعضها بعضاً نحو الأعلى. فبن لادن وأحمدي نجاد هما أفضل من يقدم لجورج بوش الكلمات الرئيسية في خطبه وعلى العكس. يجب علينا أن نضع نهاية وبالسرعة الممكنة لهذا التأرجح القاتل.
الغرب ليس مخولاً قانونياً بالهجوم العسكري على الحركات الإسلامية الراديكالية في أنحاء العالم - تماماً كما أنه ليس مخولاً قانونياً بالحرب العسكرية ضد المنظمات الراديكالية اليمينية منها أو اليسارية. إنه لا يملك الحق في تحويل العالم إلى ساحة حرب مليئة بالفوضى الدموية، من أجل أن يحقق تصوراته حول العالم؛ فالفرق الهجومية الغربية لا مكان لها في العراق أو أفغانستان أو الصومال. على البلدان الإسلامية أن تواجه مشاكلها مع الإسلام الراديكالي بنفسها. أيضاً هناك، حيث ينزلق إلى الإرهاب، فإن مجابهته هي بالدرجة الأولى مهمة القوى الوطنية. ويجب دعمها بقوات دولية خاصة، فقط في الحالات الاستثنائية الخاصة وبموافقة مجلس الأمن.
فأضرار التدخلات الأجنبية حتى هناك، حيث تكون الدوافع إنسانية صادقة، على الأغلب أكبر من نفعها،. على المرء أن لا يريد الخير فحسب، بل عليه أن يصل إليه أيضاً. فالحرب على الإرهاب لن تحسم عسكرياً لا في الهندوكوش ولا في بغداد. إن الحسم سيكون في قلوب 1.4 مليار مسلم يراقبون سياسة الغرب بدقة في الشرق والغرب والشمال والجنوب. ومع كل طفل مسلم تقتله القنابل الغربية، يزداد الإرهاب نمواً. إننا نغرق كل يوم بعمق أكبر في مستنقع سياساتنا.
لقد فشلت الحرب الجوية كوسيلة لمحاربة الإرهاب فشلاً ذريعاً. فبن لادن استطاع رغم القصف المستمر الهرب من تورا بورا، لوجود صحفيين أميريكيين في محيط المغارات، التي خمنوه فيها، أكبر من عدد الجنود الأمريكيين أنفسهم. وتقريباً في نفس الوقت استطاع زعيم طالبان الملا عمر إختراق صفوف القوات الأمريكية القليلة على متن دراجة نارية. إن تورا بورا هو الرمز الأكثر هزلاً لغباء الحرب الصليبية على الإرهاب. حتى سيرفانتس Cervantes، مبدع دونكيشوت Don Quijote، ما كان ليجد نهاية هازلة أشد غرابة منها.





