نظراً لسياسة الحرب الغربية، فليس من الغريب تزايد عدد المتطرفين الإسلاميين.

 

لقد عاث الاستعمار الغربي فساداً في جميع أنحاء العالم تقريباً. لكنه لم يَزُلْ إلى اليوم من بلاد الشرق الأوسط الغنية بالنفط؛ هذا هو الذي يميز هذه المنطقة عن غيرها من مناطق العالم ويجعلها أرضا خصبة للإرهاب.

 

الإرهاب ليس ظاهرة إسلامية وإنما هو ظاهرة عالمية؛ فقد وجد في كل زمان وتحت جميع المسميات. فإلى جانب الإرهابيين العرب الذين كانوا يقتلون المستوطنين اليهود، كانت هناك أيضاً "منظمات إرهابية صهيونية" كمنظمة "إرغون" التابعة لمناحيم بيغن وأيضاً تلك التي وسمت نفسها بالإرهابية "مناضلون من أجل حرية إسرائيل" التابعة لإسحاق شامير. لقد حاربوا بوسائل إرهابية ضد البريطانيين والعرب من أجل إسرائيل حرة - وكذلك ضد المدنيين.

 

من أشهر العبارات في النقاش الحالي عن الإرهاب عبارة تقول: "ليس كل المسلمين إرهابيين، ولكن كل الإرهابيين مسلمون". هذه العبارة ببساطة خاطئة. حتى 11 أيلول 2001 كان "نمور التحرير التاميل" في سيريلانكا المنظمة الإرهابية الأكثر قتلاً في العالم؛ لقد اغتالت آلاف المدنيين الأبرياء؛ وطورت العمليات الانتحارية الإرهابية إلى درجة الكمال، وقُلِدوا في أنحاء العالم حتى في أدق التفاصيل، وخاصة في الشرق الأوسط، وهم يلقون القنابل ويقتلون إلى هذا اليوم. إنهم هندوس، ليسوا مسلمين. لكنهم لا يقتلون الغربيين؛ ولذلك لا تذكر عملياتهم إلا في موجز الأنباء القصيرة.

 

36 من أصل 48 منظمة مصنفة رسمياً 2006 من قبل الاتحاد الأوروبي على أنها إرهابية لا علاقة لها بالإسلام. هذه المنظمات الإرهابية "المعادية للإمبريالية"، و"المعادية للرأسمالية"، و"المعادية للهند" أو "المعادية للسنغال" تحمل وزر أعداد كبيرة من المدنيين في أمريكا اللاتينية وأسيا وأفريقيا السوداء. لكنهم لا دور لهم في الوعي العام الغربي البتة؛ لأنهم لا يقتلون أناساً من بيئتنا الثقافية.

 

على الغالب احتلت مكان القوى الاستعمارية بعد النهاية الرسمية لعصر الاستعمار في الشرق الأوسط حكومات عميلة ذات تبعية مالية وعسكرية، أحجار شطرنج في اللعبة الجغرافية السياسية للقوى الغربية الكبرى. وأما الذي لم يشارك في اللعبة، فقد لُقِّن أن هناك حق للشعوب بتقرير مصيرها فقط عند عدم تعارضه مع المصالح الغربية. فالحرية لم تعن يوماً التحرر منا. يمكن للمرء تسمية ذلك "القانون المصّدقي" إحياء لذكرى رئيس الوزراء الإيراني محمد مصّدق الذي انتخب ديموقراطياً عام 1951 لتقوم بعد ذلك بسنتين وكالة المخابرات الأمريكية مع البريطانيين بإسقاطه. من يخالف هذا القانون، يُنقَلب عليه أو يجري تغيير لقبه عن طريق حملة إعلامية مكثفة لينعت بأنه "شرير". إن التصنيع الإعلامي للأشرار هو إحدى تخصصات السياسة الخارجية الغربية. وكما يظهر مثال القذافي، فإن النعت "بالشرير" يمكن تغييره في أي وقت.

 

حتى صدام حسين الذي غيّر لقبه من "شريك" إلى "شرير" كان بإمكانه إلى اليوم أن يفعل ما يريد، لو أنه بقي شريكاً للولايات المتحدة الأمريكية. فمجزرة الدجيل بقتلاها البالغ عددهم 148، والتي أعدم بسببها، حدثت عام 1982. حينها كان صدام واحداً من أهم النشطاء لصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، وقد خاض حرباً بدعم غربي ضد إيران الخميني. في عام 1983 قام دونالد رمسفيلد Donald Rumsfeld بزيارة صدام كمبعوث خاص للرئيس الأمريكي، بالرغم من علمه التام بموضوع الدجيل! كيف لا وقد كان صدام صديق نضالنا ضد التطرف الإسلامي، حيث أمدته كل من ألمانيا بقطع للأسلحة الكيمياوية، وفرنسا بطائرات حربية، والولايات المتحدة الأمريكية ببيانات الأقمار الصناعية عن المواقع الإيرانية. إن الغرب لم يكترث يوماً في الشرق الأدنى والأوسط لا بحقوق الإنسان ولا بالديمقراطية. لقد حارب ولا زال يحارب من أجل النفط.

 

إن اللإنسانية الوقحة التي تمارس باسم حقوق الإنسان، والتي تذكر بها كل يوم الصور الدموية من العراق وأفغانستان وبلاد إسلامية أخرى، انطبعت في أعماق الذاكرة الثقافية للمسلمين. لقد أصاب صموئيل هنتينجتن Samuel Huntington على الأقل عندما قال: "لم يُخْضع الغرب العالم بسيادة أفكاره أو قيمه أو دينه، وإنما بسيادته في استخدام العنف المنظم. الغربيون ينسون هذه الحقيقة غالباً، أما غير الغربيين فلا." كيف للعالم الإسلامي أن يصدِّق بقيمنا بما يتعلق بكرامة الإنسان ودولة القانون والديمقراطية، عندما لا يرى منا إلا الاضطهاد والإذلال والاستغلال؟ هل يبدو غريباً حقاً أن يزداد عدد المتطرفين؟ أن يقوم بعض الناس بالرد عندما تداس أسرهم في كل مرة بألاتنا التدميرية؟ لا أحد يولد متطرفاً.

 

وبالرغم من كل ذلك فإن المودة وكرم الضيافة، التي لا تزال تقدم للزوار الغربيين في بلاد المشرق، غاية في الرفعة. فبدون أية عقبات يستطع المرء، ليس فقط في سوريا العلمانية وإنما أيضاً في إيران الثيوقراطية، أن يزور المعالم الدينية - الكنائس والكنس اليهودية والمساجد. معظم المسلمين يبدون احتراماً لليهودية وللمسيحية أكثر منا أنفسنا. بالرغم من رفض السياسية الأمريكية الخارجية فإنهم يبدون إعجابهم بأشياء كثيرة في الغرب؛ الشباب المسلم يفضل لبس الأحذية الرياضية الغربية (المقلدة) والجينـز والشورت. هم يودون مع الحفاظ على دينهم أن يكونوا مثلنا في كثير من الأمور؛ أحراراً وعصريين وديمقراطيين على طريقتهم. ويودون كذلك أن يحبوا أمريكا؛ لو وجدت أمريكا هذه - والتي كانت يوماً الأمل الكبير لمستضعفي الأرض- دون سياستها الخارجية الدموية.

 

العالم الإسلامي مغاير تماماً للصورة التي تقدمها لنا وسائل الإعلام المرئية الغربية، عندما تخرج علينا بصور مشوهة من إنتاجها لرعاع يثيرون أعمال الشغب ضد الغرب. في أيلول 2001 عرضت كثير من محطات التلفاز بعد الاعتداءات على مركز التجارة العالمي صوراً لأطفال فلسطينيين وهم يهللون. لكن الصور كانت مدبرة؛ وتبعاً لتقارير الصحيفة الإسرائيلية "هأرتس Haaretz" فقد قدم أحدهم للأطفال بعض الحلويات، حتى يهللوا أمام الكاميرا. المظاهرات المعادية للغرب تقوم في البلاد العربية على العادة فقط عندما تنظم "عفويتها" وتُخرج بشكل دقيق بالتنسيق مع القنوات المرئية الغربية. وبعدما تطفئ الكاميرات، ينقل "متظاهرو التلفاز" إلى بيوتهم بنفس الناقلات، التي تم شحنهم بها، مع قليل من "البقشيش".

 

وعلى العكس مما هو عندنا فإن ظاهرة "العداء للغرباء" لا وجود لها في العالم الإسلامي. إننا أكثر تفوقاً من هذه البلاد اقتصادياً وتقنياً، أما إنسانياً فلا. وفيما يتعلق بالإيثار والاعتزاز بالأسرة وكرم الضيافة فبإمكاننا تعلم الكثير من المسلمين.

 

ولكن هذه المودة يمكن أن تنقلب، كما في العراق، إلى غضب مستعر، إذا ما أراد الغرب مجدداً أن يدوس بأقدامه ساخراً حقوق المسلمين. لقد وصف جان باول سارتر Jean-Paul Sartre الإحباط المدمر للذات عام 1961 خلال حرب تحرير الجزائريين: "هذا الغضب المكبوت يدور في دائرة مغلقة، ويكون وبالاً على المستضعفين أنفسهم. وحتى يخلِّصوا أنفسهم منه، يبدؤون بالاقتتال فيما بينهم. القبائل تتحارب فيما بينها، لأنها لا تقوى على مهاجمة العدو الحقيقي - وعلى المرء أن يثق، بأن السياسة الاستعمارية ستذكي نار العداء بينهم. إن فيضان العنف العارم يحطم ضد الحواجز. وهذا هو وقت البومرنج. فالعنف يعود علينا ليفتك بنا، وأما نحن فلا ندرك إلا قليلاً كذي قبل، أن هذا هو عنفنا نحن."

 

لقد سلب "تحالف المريدين" العراقيين كل شيء، كانت الفرصة قد تسنح لهم به من التصرف "بنبل" و"تعاون" و"طيبة"، كما بالشكل الذي نحب أن نرى نحن به أنفسنا. لقد قوض لهم كل مقومات دولتهم، ومرغت كرامتهم وإبائهم في التراب. وقام بتحريضهم بشكل منظم البعض ضد الآخر. ما هذا الدجل الذي "يتعجب" الغرب من خلاله، كون هذه الاستراتيجية قد أينعت بالفعل، ولأن إحباط العراقيين قد تحول أحياناً إلى تدمير لأنفسهم؟

 

"عندنا لا يمكن أن يحدث مثل هذا"، هذه المقولة التي تتفقأ عنصرية مقززة، تتداعى ساقطة، عندما يتذكر المرء أن إنقطاعاً للتيار الكهربائي في نيويورك 1977 وإعصاراً في نيو أولنز في 2005 كانا كافيين لإطلاق عمليات نهب على نطاق جماهيري واسع، وكذلك لوقوع عمليات قتل واغتيال. Homo homini lupus est - إن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان (توماس هوبس Thomas Hobbes). وهذا لايصدق على المسلمين فقط، ولكن أيضاً على اليهود والنصارى.

 

إضغط هنا كي تعود إلى الأبحاث العشرة