إن الاعتداءات التي ينفذها العرب الإرهابيون منذ أواسط التسعينيات ضد المرافق الغربية تعتبر من وجهة نظرهم رداً على "عمليات السطو مع القتل المنظم" التي لا تنتهي من جانب الغرب. لقد أودت، بما في ذلك الاعتداءات على مركز التجارة العالمي، بحياة حوالي 5000 مدني غربي. وهي لا شك مرفوضة أخلاقياً؛ فالغاية لا تبرر الوسيلة. ولذلك فقد نددت كل الحكومات الإسلامية بالاعتداءات على مركز التجارة العالمي، سوريا وإيران وحتى حزب الله وحماس. وفي كثير من الدول الإسلامية وضع الناس بتأثر بالغ الورود أمام مبنى السفارة الأمريكية. الإرهابيون الذين يقتلون الأبرياء، ليسوا من المدافعين عن الحرية، ولا هم من رجال المقاومة، ولا من المجاهدين ولا الشهداء. إنهم قتلة.
ولكن أليس الذين يقفون خلف الحروب العدوانية الخارجة عن القانون الدولي أيضاً إرهابيين وقتلة، وكذلك جنودهم؟ ألا يجب على المرء عند الحديث عن 5000 غربي اغتالتهم القاعدة، أن يتحدث أيضاً عن مئات آلاف العراقيين المدنيين، الذين قتلتهم حرب جورج بوش الخارجة على القانون الدولي؟ ألا تنطبق المعايير القانونية، التي نسقطها على صدام حسين وسلوبودان ميلوسيفيتش، أيضاً على قادة الحكومات الغربية؟ لماذا لا تجرؤ النخبة الغربية حتى على طرح السؤال، فيما إذا كان من الواجب مثول جورج بوش وتوني بلير أمام محكمة جنائية دولية بسبب حربهم على العراق المبنية على الأكاذيب؟
لقد قيد في حيثيات الحكم في محكمة نورنبيرغ لمجرمي الحرب: "إن إشعال حرب عدوانية هو أكبر جريمة دولية، حيث لا تختلف عن غيرها من جرائم الحرب إلا في توحيدها وتجميعها في ذاتها لكل أشكال الرعب." وقد علق رئيس المدعين الأمريكي روبرت جاكسون Robert Jackson وقتها قائلاً: "بنفس المقياس، الذي نقيس به المتهمين اليوم، سنقاس غداً من التاريخ."
الحروب العدوانية هي "إرهاب الأغنياء"، كما قال بيتر أوستينوف Peter Ustinov. والطفل العراقي لا يرى فرقاً، بين أن تمزق أشلائه من انتحاري "مسلم" أو من قنبلة "مسيحية". إن هذا الطفل يرى جورج بوش وتوني بلير كإرهابيين تماماً كما هو بن لادن بالنسبة لنا.
وتُبَرَر الأرقام العالية للضحايا المدنيين من جراء العمليات العسكرية غالباً بحجة، أن هذه "الخسائر الجانبية" ليست مقصودة لذاتها. وهذا الادعاء بعيد عن النزاهة - على الأقل في القصف الجوي، لأن موت المدنيين فيه ينظر إليه دائماً تقريباً بعين الرضى. ولكن "النظر بعين الرضا" يعني في الأنظمة القانونية المتطورة سبق الإصرار. يضاف إلى ذلك أن معظم عمليات القصف بالقنابل غير مجدية؛ فعن طريق القطعات العسكرية البرية يمكن للمرء الحصول غالباً على نتائج أفضل. ولكن هذا يعني القبول بعدد أكبر من الضحايا في صفوفه؛ وهذا قد يقود بدوره إلى خسائر في أصوات الناخبين؛ ولهذا يفضل المرء إلقاء القنابل الإنشطارية آخذاً بعين الإعتبار موت المدنيين. إن إلقاء القنابل الإنشطارية من قمرة الطيارين الآمنة هي أجبن أشكال إرهاب الأقوياء. إن خرافة الحرب النظيفة هي أكبر كذبة صنعتها البشرية. "Dulce bellum inexpertis - طعم الحرب حلو فقط للذين لا يعرفونها" (إراسموس فون روتردام Erasmus von Rotterdam).
وبالرغم من ذلك فإن المقاومة المسلحة ضد الحروب الخارجة على القانون الدولي لا تكون شرعية، إلا إذا التزمت بميثاق حقوق الإنسان الدولي في الحروب. إن الاعتداءات الانتحارية ضد المدنيين من أتباع الأديان الأخرى، كما نراها كل يوم في العراق وفي أماكن أخرى، هي إرهاب، ولا علاقة لها بالمقاومة المشروعة. إن الاعتداءات الأكثر إثارة ضد المدنيين في العراق كانت في غالبيتها موجهة من الخارج. وتبعاً لتصريحات الناطق باسم القوات متعددة الجنسيات في العراق الجنرال ليفن بيرغنر Kevin Bergner بتاريخ 11/7/2007 فإن مصدر 80 إلى 90 % من الانتحاريين هو مصدر خارجي.
ولهذا لا بد من التفريق بشدة بين هذا الإرهاب ضد المدنيين الموجه من الخارج غالباً وبين المقاومة العراقية المشروعة متعددة المذاهب الدينية ضد الاحتلال الأجنبي. فحق المقاومة لا يمكن لأحد أن يسلبه من العراقيين، فهو حق لكل الشعوب لا يرتبط بزمان، ولا يمكن المساس به. كما إن الأغلبية الكبرى من الشعب العراقي تؤيد المقاومة، التي ترفض الاعتداءات ضد المدنيين بكل وضوح. ولا يشارك في هذه المقاومة مسلمو السنة والشيعة فقط ، بل أيضاً المسيحيون. وعدد مقاتلي المقاومة من المسيحيين في العراق هو أكبر من مقاتلي القاعدة. وكذلك النساء يقاتلن في صفوف هذه المقاومة العراقية متعددة المذاهب. هل يبدو هذا حقاً مستغرباً؟ ماذا كنا سنفعل إذا ما جثمت المدرعات المعادية على أرضنا؟ هل مقاتلوا المقاومة الأصدقاء هم فقط "مقاتلون من أجل الحرية"، بينما يكون الأخرون دائماً إرهابيين؟
لقد خسر العراقيون الحرب الإعلامية منذ أمد بعيد. كل يوم وبشكل متواصل هناك على الأقل 100 عملية عسكرية لقوات الاحتلال ضد الشعب العراقي، وكذلك نفس العدد تقريباً من العمليات للمقاومة ضد قوات الاحتلال وحلفائها. أما عدد الاعتداءات الانتحارية ضد المدنيين فلا تتعدى كحد أقصى عملتين أو ثلاثة في اليوم. بالرغم من ذلك فإن وسائل الإعلام المرئية لا تكاد تبث إلا صور هذا الارهاب الانتحاري الفظيع الموجه من الخارج، وكأنه يعبر نوعياً عن معركة العراقيين ضد الولايات المتحدة الأمريكية. إنهم يرسمون صورة مختلة تماماً عن الوضع في العراق. فالحرب الحقيقية لا نراها، حيث يستخدم البنتاغون سيطرته التامة على الإعلام في العراق المحتل بشكل لا يعرف الرحمة.
بالطبع تُفضَّل الأنشطة السلمية على أسلوب ماهتما غاندي أو مارتن لوثر كنج على المقاومة المسلحة، وحتى على المشروعة منها. ففي الحرب الدينية بين دويلتي مكة والمدينة حقق محمد انتصاره الباهر عندما أدهش خصومه المكيين بظهوره مع أنصاره العزل أمام أبواب مكة طالباً الدخول إلى الأماكن المقدسة. <//font>إن المقاومة السلمية والنابعة من قوة الدين قد تمنح المقاومة العراقية ثقة أكبر. ولكن ألم نُري العالم ولمئات السنين أن لا نجاح إلا للعدواني؟